منتدى كرناز

عزيزي الزائر بياناتك تفيد بأنك غير مسجل لدينا إذا كنت ترغب في التسجيل في المنتدى يرجى الضغط على زر التسجيل أما إذا كنت ترغب في تصفح المنتدى فأهلا بك زائر كريما

منتدى كرناز


    كُتَلُ اللحمِ الباردة .. محاولة روائِيَّة ..( الجزءُ الأوَّل )...

    شاطر
    avatar
    الدِّمَشقِيّ

    عدد المساهمات : 25
    تاريخ التسجيل : 30/07/2010

    كُتَلُ اللحمِ الباردة .. محاولة روائِيَّة ..( الجزءُ الأوَّل )...

    مُساهمة  الدِّمَشقِيّ في الجمعة يوليو 30, 2010 5:28 pm


    هنا سأوردُ محاولةً روائِيَّةً متواضِعَةً لي , لا أزعمُ فيها مِثَاليَّةَ الطرحِ أو عُمقَ الأسلوب , ولا حتى أهميةَ الفكرة ووضوحَهَا ..

    لكنَّها محاولةٌ أولى في عالم ِ الروايةِ الممتعِ العميقِ , تفتقرُ إلى مزيدٍ من عناصرِ ِ النضجِ اللغوي والفكري والحِرَفي ..

    سأوردها هنا على أجزاءٍ ليَسهُلَ على الأخوةِ قراءتها , وهي تنتظرُ إغناءَها بنقدكم وتوجيهاتكم الطيبة ...



    - كُتَلُ اللحم ِ الباردة -


    لم أكن ْ أعلم ُ أن َّ قلوب َ البشر ِ تختلف ُ إلى هذا الحد .. كنت ُ أظن ُّ أن َّ كلَّ القلوب ِ يستأثر ُ بها الحب ُ و يُطَوِّعها ..
    مرّت الأيام ُ وأنا أحسب ُ أن َّ القلوب َ لا تبحث ُ إلا عن قلوب ٍ أخرى تحتويها , وأن َّ جراح َ الصدور... لا يُضمّدها إلا فيض ُ الحنان ِ المشفق .
    وكان َ لدي َّ تساؤلات ٌ شديدة وأحلام ٌ كثر , وكانَ الفرح ُ لا يَعمر ُ القلب َ إلا حينما يكون ُ الفرح ُ حباً ..
    وكنت ُ هائما ً على وجهي .. لا أدري أأفتح ُ قلبي لرياح ِ الحب ِ التي اشتاق َ إليها.. أم أنني أطوي شراع َ الأمنيات .
    وبقيتُ مع نفسي بينَ مد ِ وجزر ..تجرّني لهفة ُ الشوق ِ حيناً فأكاد ُ أن أقعَ فريسة ً لقلبي و يشدّني وميضُ العقل ِ فيمسكني أنْ أقع .

    في قلبي بُنيتْ حصون ُ الحب ِ راسخة .. لله وما يحب ُ ولخلقه , و سُكب َ على تلك الحصون رداء ُ الرحمة , فلا أطيق ُ أنْ أكونَ ظالما ً ما استطعت .
    إلا أن َّ قدمي زلت ْ بي ووقعت ُ فكأنها قد كسرتْ أضلاعي فطال َ مرضي وعجزي .. وما أشدَّه ألم ُ كسر ِ الروح ِ حينما تقع ُ حيثُما لا يليق ُ بها .

    كنت ُ شابا ً في العشرين أو أكثر َ قليلا ً عندما فُتحت ْ علي َّ أبواب ُ جهنّم أو قاربت ْ.. وكان َ على ذلك َ الشاب ِّ الغض ِ أنْ ينقلب َ رجلا ً أو يُصرع شابا ً ..
    فآثرت ُ أنْ أكون َ رجلا ً ,وإنْ كنت ُ رجلا ً بخيال ِ طفل ٍ وقلب ِ امرأة .. رجلا ً لم يختبر من الرجولة ِ غيرَ قَصَص ِ الأبطال ِ بصدقها وزيفها ..

    أغمضت ُ عيني َّ فتى ً مدللا ً أحظى بحب ِ أم ٍ وثقة ِ أب , و إذا بي أفتحهما من جديد , وقد مات َ أبي... وقد مات َ الرجل ُ الذي كنت ُ بحياته ِ فتى ً وكانتْ أُنثاه أمي ..
    والآن َ أُقحمت ُ في الحياة ِ رغما ً عني , ليصير َ أبي الرجل ُ جثّة , ولتصيرَ أمي أرملة ً حزينة , ولأصيرَ أنا الفتى رجلا ً مكان َ الرجل ِ الذي مات .
    ليصبح َ ابن ُ العشرين بعمر ِ الخمسين , وليركب َ على كتفي َّ وجه ٌ باسم .. لا ليس َ وجهاً فقط ..
    بل هوَ وجهُ رجل ٍ باسم , لكن َّ ابتسامتهُ معقّدة , لا تصعد ُ العينين مثل َ ابتسامتي وأمي ..
    ابتسامة ٌ تسكن ُ الشفة َ فقط ,بينما تبقى العيون ُ مفتوحة ً ثابتة .
    لقد ترك َ أبي لنا من المال ِ شيئاً ليس ِ بالكثير ِ ولا القليل..
    وترك َ لنا بيتنا الذي تسكُنه ُ رائحته ُ وصدى صوته , وترك َ أمي وحدها ..
    ولكنّه لمْ يترُكني .. وإنَما أصبحَ الطيفَ الذي يصرخُ بأعلى صوتهِ في أذني , يصرخ ُ بقوّة .
    لذا كان َ صوتُه فوقَ أن يسمعه ُ احد ٌغيري ...

    وكان َ ثوب ُ الرجولة ِ علي َّ واسعا ً , أو أنَه لمْ يكنْ واسعا ,ً لكنّي لمْ أعتدْ عليه بعد .. فذاك َ ثوب ٌ لا يلبسه ُ ذكران ِ في بيت ٍ واحد .

    ومرّت الأيام ...واعتدت ُ أنْ ألبس َ ثوبي الجديد مع َ الصباح ِ وأخلعَه ُ مساء ً ..
    حتى إذا ما أويت ُ إلى سريري ارتميت فيه طفلا ً أصغرَ ممَ كنت ُ بحياة ِوالدي بكثير ..

    لازِلت ُ أذكر ُ ذلك َ اليوم َ الذي أيقظتني فيه والدتي لصلاة ِ الفجر و ودّعتني بدعائها وابتهالاتها وكلماتها التي طالما سمعتها تقال لأبي ..
    وقاربت ُ أنْ أقتنعَ بنفسي في مكاني الجديد ..
    دخلت ُ المسجدَ يومَها وسوادُ الليل ِ مُنسكب ٌ على الكون.. وخرجت ُ منهُ و رائحةُ الفجرِ تدخل ُ الرئتين فتكادُ تُحيي الصدرَ بردا ً و انتعاشاً .
    تابعتُ السيرَ على الممرِ الحجري القديم قاصداً دكان َ أبي .. أقصد ُ دكانه ُ التي ورثتُها عنه ..

    كانت الدكان ُ في وسطِ السوق ِ الحجري ِ القديم, تحيط ُ بها دكاكين ُ العطارة والفواكه ِ المجفّفة , قبالتها مقهى "أبو سعيد " تفوح ُ منه ُ رائحة ُ الأراكيل ويملأ السوق َ حركة ً وضجّة.
    لمّا يكنْ المقهى قد ازدحم.. فقد كان َ "غسان " فتى المقهى يرش ُّ الأرضَ الحجريّة َ بالماء فتصعد ُ رائحة ُ التراب ِ نديّةً حيثُما يرش, ويمسح ُ الطاولات المربّعة بقماشةٍ رطبة بعدما يُقوّم ُ كراسي الخيزران ِ المقلوبة فوقها .

    ألقيت ُ عليه التحية َدون َ أنْ أقف
    " السلامُ عليكم "
    رفعَ رأسه بينما بقي جذعهُ مُكِبّا ً على طاولته
    " وعليكم السلام أهلا ً أستاذ ماجد "
    وكان َ حينها الكثيرُ من رجال ِ السوقِ يُصرون على مناداتي ب "أستاذ" بدل "سيد " لأنَّهم لم يعتادوا علي ًَ غير َ طالب ٍ بكليّة الآداب لمّا يُنه ِ دراستَه , ألفوا أن يروه كل َّ ظهيرة ٍ يمرُّ على دكان ِ والده لبضعة دقائقَ ثم ينصرف ُ إلى بيته ِ حاملا ً كتبه ومحاضراتِه .

    وصلت ُ دكاني التي تبعد ُ عن المقهى سبعة َ أو عشرة َ أمتار ٍ فقط هي عرض السوق الحجري القديم

    فتحتُ القفل إلا أنَّ البابَ الحديدي قد فقدَ مرونته فرفعتُه بيدي ..
    فتحتُ البابَ الزجاجي وما إنْ فعلتُ حتى اخترقتْ رائحةُ التوابلِ أنفي فكأنَّ شيئاً منها قد دخل َ رئتّي فبدأت ُ بالسعال ..

    وبينما أنا أعالج ُ سعالي وأمسح عيني سمعتُ من خلفي صوت َ مسيرٍ على أحجار ِ الطريق فالتفت ُ فإذا هو " سعيد " بقامته المربوعة و وجهه ِ المستدير وشعره ِ البنّي الفاتح .
    أخذ ت ُ أمسح ُ عيني لأبادره ُ بالسلام .. غير َ أنّه لمّا أصبح َ بموازاتي أرخى رأسه ُ ومضى إلى مقهى والده .

    لمْ يكنْ سعيد محبا ً لي منذ ُ زمن ٍ حتى قبل َ وفاة ِ والدي .. عندما كنت ُ أمر على الدكان كنت ُ أراه ُ لدقائق َ كانتْ كافية ً لأنْ يُظهر َ لي فيها أنّه لا يُرحب بوجودي ..
    غيرَ أنّه ُ حينها لم يكنْ يقوم ُ بعمل ٍ ما يُظهر ذلك َ لي علانية , غيرَ أنّهُ إحساسي به وترجمتي لنظراتِه .

    رغم َ ذلك َ فأنا لازلت ُ أذكرُ صورتَه عندما كانَ طفلاً في السادسة ِ أو السابعة من العمر, يركض ُ على طريق ِ السوقِ أشعث َ الرأس ِ متسخ َ الكفين يلعبُ بالكرة ويضحكُ مع أقرانِه ِ فيرددُ السوقُ كلُّه ضحكته .

    بينما كنت ُ أنا حينها أكتفي أنْ اجلسَ على كرسيٍ من الخيزران ِ يجلبه ُ أبي من المقهى ويسنده ُ على حافة ِ الدكان فأبقى أنظرُ إليه ِ و رفاقه ِ نظرات ٍ طويلة ولربما شاركتُهم سعادتَهم بقلبي فابتسمتُ لهم حينما يضحكون .



      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد أغسطس 20, 2017 9:34 am